شكيب أرسلان
297
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
2 - خط المعاهدة من النوع المبسوط الظاهر ، وسطورها أفقية تامة الاستواء 3 - تأملوا قوله « المدجنين الساكنين بأرضكم » أليس معناه الأهالي المسلمين ؟ ثم مما لا شك فيه أنه مترجم عن لفظة « أندخيناس » التي يطلقها اليوم الأسبانيول على الأهالي المغاربة . وأذكر أن الأخ المكي الناصري كتب عنها فصلا قيما في مجلة السلام ، أعطى فيه هذه اللفظة حقها ، ولا نستطيع أن نفسّر اللفظة هنا بالمقيمين من دجن بمعنى أقام بالمكان ، لأن لفظة « الساكنين » تفيد ذلك المعنى ، فلا وجه لتفسيرها بها إلا بتكلف . اه قلنا إن المدجنين هم المسلمون الأندلسيون الذين عندما غلب النصارى على بلادهم لبثوا تحت حكم هؤلاء ، ولم يختاروا الرحيل إلى بلاد الاسلام ، كما رحل إخوانهم ، وقد سمّوا بالمدجنين من دجن بالمكان بمعنى ألف الإقامة به ، ومنه الحيوان الداجن ، الذي يألف البيوت ، ولا ينفر منها ، كالحيوانات الأخرى الشاردة ، وربما كان الحيوان برّيا ، فإذا أمسكوه وعوّدوه الدجن في البيت . انتهى بأن يستأنس ويألف . ووجه المناسبة ظاهر ، وهو أنه عندما كان يتغلب النصارى على بلاد المسلمين من الأندلس كان أكثر أهلها يشردون نافرين ، ويهاجرون منها إلى بلاد الاسلام ، وقد كان يوجد فيهم من لا يتمكن من المهاجرة ، أو من يعزّ عليه فراق وطنه ، فيبقى تحت حكم النصارى ، ويألف الخضوع لهم . فسمى هذا النوع من المسلمين مدجنين من باب التشبيه . وهكذا قرّر المؤرخون والعارفون باشتقاق الالفاظ وجه هذه التسمية وكان هؤلاء المدجنون ، وإن سكنوا في الأول تحت حكم النصارى يضطرون في الآخر إلى الرحيل منها ، نظير الذين سبقوهم من إخوانهم ، وذلك بسبب تفاقم الظلم والاضطهاد عليهم . فسلاطين غرناطة كانوا يتوسطون لدى سلاطين الأسبان حتى يسمحوا للمدجنين بالخروج إلى بلاد الاسلام ، وبأخذ أموالهم معهم ، وسبب هذا التوسط هو أن سلاطين النصارى لم يكونوا يسمحون دائما بهجرة المدجنين ، وذلك لأن المدجنين كانوا يعملون في أراضي النصارى ، وكانوا أهل جد ونشاط ،